عبد الملك الجويني
15
نهاية المطلب في دراية المذهب
الخرص على الملاك لحقوق المساكين ، وذكرنا اختلافَ القول في أن الخرص عبرةٌ فيها ، أو تضمين ، وفرَّعنا على كل قول ما يليق به . ولو [ رام ] ( 1 ) ربُّ الأشجار أن يخرص الثمارَ على العامل ، فهل للخرص أثر في ذلك ؟ اختلف أصحابنا فيه : فمنهم من قال : لا أثر له ، وإنما وقع الحكم به في الزكاة توقيفاً ، وإلا فهو تخمين ، وحدسٌ ، ورجمُ ظنٍّ . ومن أصحابنا من قال : يثبت حكم الخرص هاهنا ، كما يثبت في حقوق المساكين . وهذا القائل احتج بحديث عبد الله بن رواحة ؛ فإنه خرص على أهل خيبر ثمار النخيل ، ولا يمكن حملُ خَرصه على حقوق المساكين ، فإنهم ما كانوا ملاك الثمار ، والخرصُ في الزكاة على ملاك الثمار ، لا على العاملين فيها . ومن أصحابنا من قال : إنما جرى ذلك الخرص ؛ لأن المعاملة كانت مع الكفار ، ونحن قد نحتمل في المعاملة مع المشركين ، ما لا نحتمله في المعاملة مع غيرهم . وهذا غيرُ سديد ، فإنا إنما نفرق بين المسلم وبين الكافر فيما يتعلق بالموادعة ، والعهود ، والمواثيق ، فأما المعاملات الخاصة المتعلقة بالأموال ، فلا ينبغي أن يقع فيها فرقٌ بين المسلم والمشرك . ثم من أصحابنا من خرّج القولين في جواز المساقاة على ما عدا الكروم والنخيل من الأشجار على القولين في أن الخرص هل يجري في هذه المعاملة ؟ وذلك لأن الخرص لا يتأتى فيما عدا النخيل والكروم ، فإن ثمار النخيل والكروم عناقيدُ متدلّيةٌ بارزةٌ للناظرين ، فيتأتى خرصُها ، وما عداها من الثمار مستترٌ بالأوراق فيعسرُ الاطلاع عليها . وهذا البناءُ فيه نظر ، لأنا وإن أثبتنا للخرص أثراً إذا جرى ، فلا يُشترط إجراؤه في هذه المعاملة على ما سنعيد ذكره ، إن شاء الله عز وجل - فلا معنى لأخذ اختلاف القول في جواز المساقاة من هذا المأخذ .
--> ( 1 ) في الأصل : أزم .